يوسف المرعشلي

1243

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

محمد بن الصديق البطّاح الأهدل الزبيدي « * » ( 1301 - 1375 ه ) السيد محمد بن الصديق بن إبراهيم بن أحمد البطاح الأهدل الحسيني الشافعي الزبيدي ، العلامة المسند ، الفقيه الشهير . من علماء زبيد بل اليمن المشهورين ، وفقهائها المذكورين ، ليّن الجانب مع الأباعد والأقارب ، له عكوف على التدريس ، ونفع العبيد ، وبذل النصح والإفادة لكل مستفيد . أبصر نور الحياة في زبيد سنة 1301 ه ، وتربّى بين العلماء الفحول ، فحفظ القرآن الكريم ، وما تداول من متون الفنون ، ثم شرع في القراءة ، وشمّر عن ساعد الجد ، وجدّ واجتهد حتى وجد ، وساعده على ذلك النشأة الحسنة والصلابة في الدين ، مع الجم الغفير من الشيوخ أهل التحقيق والرسوخ . قرأ على والده أولا بعض المبادئ ثم الفقه ، ولكن المنية اخترمته ، فتخرج على ابن عمه السيد بن محمد البطاح وصنوه السيد علي بن محمد البطاح ، قرأ عليهما في شتى الفنون حتى عرف المفروض والمسنون ، ومن مشايخه غيرهما السيد علي بن عبد اللّه الأهدل ، والشيخ أحمد بن محمد سواد وغيرهم . وكان يطالع بنفسه الكثير ، فيسهر ليله في ذلك ، وتوفرت لديه العدة والكتب النفيسة المطبوعة والمخطوطة ، المشحونة بغرر الفوائد والنكت ، مع الذكاء الوقاد والذهن الصافي ، فبرع وتفنن وأتقن وتقدم ، وشرع في التدريس وهو لا يزال صغيرا . تولّى التدريس بجامع العلوي بزبيد فعمّره بالدروس ، فكان يحضره في النصف الثاني من الليل ، ويستمر إلى صلاة الفجر ، فيصلّي بالناس ثم يرجع بعد الضحى ، ويستمر في التدريس إلى الظهر ، ثم من العصر للعشاء . وفي سنة 1357 ه تقلّد التدريس بالمدرسة العلمية بالإضافة لتدريسه بالمسجد المذكور ورباط جده السيد يوسف بن محمد البطاح ، وكان يحضر دروسه الطلاب المتفوقون ، منهم أولاده والسيدان أحمد ويحيى ابنا إسماعيل الأهدل ، والسيد أحمد بن علي السادة ، والقاضي عبد اللّه بن عبد المولى المجاهد ، والقاضي محمد بن محمد الأرياني ، والشيخ عبده صالح الزريقي ، والشيخ عبد اللّه بن عبد الوهاب الأرياني ، والشيخ أحمد بن محمد نعمان ، والشيخ الخطيب أحمد بن محمد عبد الباقي الخليل . كان عاشقا للعلم محبّا له ، كثير المطالعة ، حسن التقرير ، يعتني بالطلبة . صنّف بعض التقييدات اللطيفة التي تشبه الرسائل منها : « نهج الأدب في الرد على القاضي محسن بن عبد اللّه العزب » . وكان الأخير قد نفى نبوة سيدنا آدم عليه السلام مستدلّا بكلام ابن بطال المذكور في فتح الباري وبقول اللّه تعالى إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا الآية [ النساء : 163 ] ، فلما قرأ القاضي العزب رجع عن رأيه وتقابل بزبيد مع المترجم وأذعن له بتقدمه في جميع الفنون . ولصاحب الترجمة رسالة ثانية تسمّى ب « القول الصائب في ثبوت الصلاة على الميت الغائب ورد القول العائب » ، وثالثه معنى قول صاحب تحفة الإخوان لوداع شهر رمضان ( وانسلخ عنك هذا الشهر وما انسلخت عن قبح العادة ) . حج البيت الحرام ، وزار عدة مرات ، ونال كل حظ ومرام ، وقابل الأكابر والأصاغر ، واستفاد وأفاد . ولم يزل على الاستقامة التامة والعيشة المرضية حتى انتقل إلى الحياة البرزخية بعد مرضه بالإسهال في سنة 1375 ه ، عن أربع وسبعين سنة ، ودفن بزبيد ، رحمه اللّه وأثابه رضاه آمين . وبات أحبابه من العلماء والطلاب مكلومي الفؤاد ، ولا طاب لهم عيش ولا هنأ لهم رقاد ، ولكن لم يسعهم لا التسليم والانقياد . وقد رثاه جمع من الأعيان منهم تلميذه المؤرّخ الغزي حيث أنشأ مرثية قال فيها :

--> ( * ) « تشنيف الأسماع » ص : 476 .